بـ6 أوجاع و9 نداءات.. الأقليات أمام اختبار الضمير العالمي في مجلس حقوق الإنسان
أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
بين أروقة قاعات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث تقف الحكومات تحت أضواء الشرعية الدولية، يعود ملف الأقليات إلى الواجهة مجددا ليطرق أبواب الضمير العالمي، ويحكي قصصًا لبشر ولدوا على هامش الخرائط، وحُملوا على أكتافهم عبء الاختلاف كقدر لا مفر منه.
ويناقش مجلس حقوق الإنسان، في دورته الحادية والستين، التي تعقد في جنيف خلال الفترة من 23 فبراير إلى 31 مارس 2026، تقرير المقرر الخاص المعني بقضايا الأقليات، نيكولا لفرا، وهو تقرير الذي لم يكتف برصد الانتهاكات، بل حاول أن يُنصت لنبض المعاناة الممتدة عبر القارات، ويقترح خريطة طريق للخروج من دوائر الظلم المزمنة في ملف الأقليات الشائك.
والتقرير، الواقع في 21 صفحة، يرسم صورة قاتمة لكنها واقعية لأوضاع ملايين الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية، ورغم اختلاف السياقات الجغرافية والسياسية، يخلص المقرر الخاص إلى حقيقة صادمة مفادها أن معاناة الأقليات متشابهة في جوهرها في كل مكان، وما يختلف هو درجة القسوة وأدواتها فحسب.
6 وجود لمعاناة واحدة
ويرصد التقرير 6 مسارات رئيسية للأذى الذي تتعرض له الأقليات حول العالم، أولها الإبادة، وهي ليست صفحة من الماضي كما قد يُخيل للبعض، بل واقع متكرر بأشكال متعددة، فالإبادة قد تكون جسدية، عبر القتل المنهجي والعنف الجماعي، كما يحدث مع مسلمي البوسنة، والإيزيديين في العراق، والروهينغيا في ميانمار.
وقد تكون الإبادة أكثر نعومة لكنها لا تقل خطورة، عبر التهجير القسري والتطهير العرقي، كما في فلسطين أو أفغانستان، أو من خلال استهداف لغة الأقليات وثقافتها وهويتها بهدف محوها عبر الأجيال، كما في بعض سياسات التعليم القسري.
الوجه الثاني هو الإقصاء، ويبلغ ذروته حين يُحرم الإنسان من الاعتراف القانوني بوجوده أصلا، عبر رفض تسجيل المواليد أو الأسماء أو الانتماءات الدينية، إذ يحرم الإقصاء الفرد من أبسط حقوقه، ويدفعه إلى هامش المجتمع منذ لحظة الميلاد.
ويمثل "التستر" الوجه الثالث لهذه الجرائم، وهو إنكار وجود الأقليات من الأساس، سواء عبر الخطاب الرسمي أو التشريعات، بما يؤدي إلى طمس قضاياها وحرمانها من أي حماية خاصة، حتى وإن كانت الانتهاكات قائمة وموثقة.
ويأتي التمييز في الوصول إلى الأماكن والخدمات العامة كأكثر الأشكال شيوعا واتساعا، بدءا من سوق العمل إلى التعليم والإعلام، وصولًا إلى دور العبادة، وهو التمييز المُلقب بـ"الصامت" لكنه فعال في إعادة إنتاج الفجوة بين الإنسان كامل المواطنة ونظيره منقوص المواطنة.
ويكمن الوجه الخامس في التهميش، سواء كان مكانيا في أحياء معزولة تفتقر إلى الخدمات، أو تعليميا ولغويا واقتصاديا، أو سياسيا عبر استبعاد الأقليات من دوائر صنع القرار، وهو ما يحكم عليها بالبقاء قسرا في دائرة الفقر وضعف التأثير.
فيما يتعلق الوجه السادس، بالحق في التنظيم والتمثيل الذاتي، حيث تواجه الأقليات قيودا مشددة على إنشاء الأحزاب أو الجمعيات أو دور العبادة، إلى جانب تضييق مالي وإداري يفرغ هذا الحق من مضمونه.
ما وراء الأوجاع
ولا يتوقف التقرير عند توصيف الألم، بل يغوص في جذوره، فإلى جانب مفهوم "بناء الأمة" الذي أنتج هويات مهيمنة وأقصليات وطنية، يسلط الضوء على عوامل أخرى أهملتها الأطر القانونية التقليدية، مثل الهجرة، وإرث الاستعمار، والتسلسلات الهرمية الاجتماعية الراسخة، إذ يرى المقرر الخاص أن تجاهل هذا التنوع في الأسباب هو ما جعل أدوات الحماية الدولية قاصرة عن مواكبة تعقيد الواقع.
وفي مواجهة هذا المشهد، يطرح التقرير 9 توصيات محورية، تشكل في مجموعها نداء أخلاقيا وقانونيا للمجتمع الدولي، وفي مقدمتها الدعوة الصريحة إلى اعتبار أي محاولات لإبادة الأقليات إبادة جماعية مكتملة الأركان، والتعامل معها على هذا الأساس دون مواربة أو تسييس.
كما يدعو إلى كسر سياسة "التستر" عبر جمع بيانات مصنفة عن أوضاع الأقليات واستخدامها لمعالجة جذور التمييز، وتحسين العدالة بين المناطق، وتعزيز التعايش والاعتراف بالتنوع كقيمة لا كتهديد، وفي هذا السياق يحث الدول على وقف الممارسات التعسفية والتمييزية، وفهم الأسباب الجذرية لكل حالة على حدة من أجل ابتكار حلول أكثر فعالية.
وتأتي من بين التوصيات اللافتة أيضا، دعوة الدول التي تنكر معاناة المهاجرين بوصفهم أقليات إلى مراجعة هذا الفهم، ووضع خطط وطنية شاملة لمعالجة قضايا الأقليات، إلى جانب تطوير مؤشرات وطنية لرصد أوضاعهم بشكل منتظم وموضوعي.
في خاتمته، لا يُجمل التقرير الواقع، بل يصف معالجة قضايا الأقليات بأنها "مهمة شاقة"، تتطلب شجاعة سياسية وتعاونا دوليا حقيقيا، وإعادة نظر جذرية في كيفية تعريف حقوق الأقليات وحمايتها، فإما أن يبقى العالم شاهدا على تكرار المأساة بأسماء جديدة، أو أن يحول هذه التوصيات إلى أفعال، ويمنح الأقليات ما تستحقه في الحق بالحياة والكرامة والانتماء.










